
هذه السنة، أصبحت كارول غرايدر، عالِمة أحياء جزيئية في جامعة جونز هوبكنز، واحدة من بين 10 نساء فزن بجائزة نوبل للطب. قبل 25 سنة، كانت غرايدر (48 عاماً) طالبة متفوقة تتابع دراساتها العليا في جامعة كاليفورنيا في بركلي. يوم رأس السنة، عادت إلى مختبرها لتفقد إحدى التجارب. فاكتشفت الدليل على أنزيم يُدعى تيلوميراز. يساهم هذا الأنزيم في تثبيت التيلومير، بنية شبيهة بالقنلسوة تحمي أطراف الصبغيات. شكّل هذا الاكتشاف تقدماً مذهلاً. فللتيلومير علاقة بداء السرطان والأمراض الوراثية.
تمتعت غرايدر بالقدرة على التركيز، منذ كانت طفلة تعاني عسر القراءة. تذكر : “أعتقد أن الفضل يعود في جزء منه إلى تعلمي التغلب على العقبات في سن مبكرة. فبهذه الطريقة أعالج المسائل العائلية والمهنية على حد سواء. أصب اهتمامي على مسألة واحدة.
تعتبر غرايدر عسر القراءة ركناً أساسياً في نجاحها، فضلاً عن رفضها في سن باكرة الوقوع ضحية واقع أن العلم قلما شجع تاريخياً الإنجازات النسائية. وتؤكد أنها عندما كانت تشق طريقها، لم تشعر يوماً أن مشكلة ما تقف عقبة في وجهها: “لعل للأمر علاقة بشخصيتي. شعرت مسبقاً أنني سأحقق النجاح لأنني بكل بساطة شخص يتجاهل العقبات”.
يُقال إن عسر القراءة كان السبب في حصولها على الجائزة، أو على الأقل السبب في قرارات وضعتها على المسار الصحيح نحو النجاح.
كانت والدة غرايدر عالِمة أحياء، أما والدها فكان عالِم فيزياء، وشجعها على العثور على عمل يستهويها. بعد التخرج في الجامعة، قررت متابعة دراساتها العليا متخصصة في علم الأحياء الجزيئي. لكن بسبب إعاقتها لم تحقق نتائج جيدة في امتحان التسجّل في الدراسات العليا. لكن جامعتي كاليفورنيا في بركلي وكال تيك لاحظتا علاماتها الجامعية الممتازة ودعتاها لإجراء مقابلة. وبما أنها قُبلت في الجامعتين، اختارت بركلي لأن إليزابيث بلاكبورن التي شاركتها الفوز بنوبل كانت من بين مَن أجروا معها المقابلة.
شعرت غرايدر بانجذاب إلى بلاكبورن لأنها كانت تعمل على بحث مثير للاهتمام وراحت تتحدث عنه بشغف كبير خلال المقابلة. لكن غرايدر تعتبر أيضاً أن العالِمات يملن إلى العمل في مختبر تكثر فيه النساء، وأن هذا الواقع هو المسؤول عن عدد النساء الكبير اللواتي يعملن في حقل تخصصها. تطلق غرايدر على هذه الظاهرة اسم “تأثير الأب المنشئ”. هكذا بسبب عالِم ذكر قدّم الدعم الكبير للنساء، اجتاحت حقل التيلومير في علم الأحياء مجموعة من النساء، اللواتي جذبن أخريات إلى هذا العمل.
في سياق متصل، أثار لاري سامرز، رئيس هارفارد السابق، استياء كثيرين حين اقترح عام 2005 أن عدد العالمات الصغير يعود إلى نقص في “قدرتهن الفطرية”، وهذا ما تعتبره غرايدر سخيفاً على اعتبار أن صعوبة الإنجاز العلمي لا تكمن في حفظ الصيغ وفهم البيانات فحسب، بل تشمل أيضاً الاستمرار في التنافس إلى أبعد الحدود. فكي يتقدم العالِم والعالِمة، يلزم أن يُشاركا في مشاريع مهمة. ويُفضّل أن يتدربا على يد عالِم أوسع خبرة.
قدرة غير اعتيادية
في بركلي، أعربت غرايدر عن موهبة غير اعتيادية في المختبر. فقد تحلت بعبقرية فطرية ارتبطت “بقدرتها على التركيز” و”الابتعاد عن كل ما قد يشتت أفكارها”، على حد تعبير تيتيا دو لانغ الخبيرة في مجال التيلومير.
انضمت غرايدر إلى مشروع كانت بلاكبورن تعمل عليه. شعرت الأخيرة بالفضول، متسائلة عن السبب الذي يمنع التيلومير من التقلص مع انقسام الخلية. وشكت في وجود أنزيم يساعدها على التناسخ. أمضت غرايدر تسعة أشهر في العمل على هذه المسألة من دون التوصل إلى أي نتيجة. ثم قررت تغيير إحدى المواد في تجربتها. عندما قصدت المختبر يوم عيد الميلاد عام 1984 لتتفقد تجربتها، صُدمت حين تأملت شريطاً لصور التقطت بالأشعة السينية. فقد لاحظت غرايدر نمطاً يشير إلى أنها اكتشفت الأنزيم الذي كانت بلاكبورن تبحث عنه. تتذكر غرايدر علامات الدهشة التي ارتسمت على وجه بلاكبورن حين علمت بهذا الاكتشاف. ثم أجرتا عدداً كبيراً من الاختبارات كي تتأكدا من أنهما لم تخطئا في فهم تجربتهما الأولى. وعمدتا بعد ذلك إلى نشر النتائج التي توصلتا إليها.
هكذا تجلت موهبتها الفزة. عندما طلبت غرايدر، التي واصلت عملها على التيلوميراز، الحصول على منحة لمتابعة دروسها بعد إنهائها رسالة الدكتوراه في مختبر كولد سبرينغ هاربور في نيويورك، حظيت بعرض أفضل: منحة مستقلة لثلاث سنوات تهدف إلى تشجيع العلماء الناشئين. يوضح بروس ستيلمان، الذي أصبح اليوم رئيس المختبر: “لم يسبق أن قابلتُ طالب دراسات عليا متحمساً لما يقوم به بقدرها هي. لم تحتج إلى ثلاث سنوات، إذ سرعان ما صارت جزءاً من فريق العلماء في الجامعة”.
مع تقدمها أدركت غرايدر أنها بلغت المرحلة التي تتعرض فيها المرأة للإلغاء والتدمير. تقول: “تكون المرأة أكثر عرضة للتخلي عن عملها حين تبلغ مرحلة ما بين انتهائها من رسالة الدكتوراه وتوليها منصب مساعد بروفسور أو بروفسور متدرّب”. وهذه حقيقية مثبة بالأرقام. يوضح ستيلمان: “تشكل النساء نحو 50% من طلاب الدراسات العليا، لكن هذا الواقع يختلف بين العلماء المتخصصين”.
خلال عمل غرايدر في المختبر، طُلب منها أن ترأس لجنة تحدد كم زميلاً لها يريد إنشاء ناد رياضي في المبنى. لكن بدلاً من ذلك، دعمت إقامة مركز للرعاية بالأطفال. وهكذا أنشئ هذا المركز. تخبر غرايدر أنها تظهر في إحدى الصور حاملة رفشاً وتساعد عمال البناء، مع أنها كانت حاملاً في شهرها التاسع. بالإضافة إلى ابنتها عويندولين، رُزقت من المؤرخ العلمي ناثانيال كومفرت بولد اسمه تشارلز، أدخلاه إلى مركز الرعاية بالأطفال.
منافسة قويّة
تؤكد غرايدر، التي تدير اليوم مختبراً في جونز هوبكنز، أن من الممكن تنظيم العمل في المجال العلمي ليتأقلم مع جدول أعمال الأهل: “من واجبي أن أكون فاعلة وأقدم عملاً مثمراً. لكنني لست مضطرة أن أقبع هنا من التاسعة صباحاً حتى الخامسة من بعد الظهر. يخطر في بالي أن أذهب وأتأمل ابنتي وهي تلعب. فأغادر بكل بساطة. كذلك أحرص على إخبار الآخرين بسبب رحيلي”.
تشتهر غرايدر بأنها “عالمة ذكية ومجتهدة تشكل منافسة قوية”، على حد تعبير الطبيب والعالم ديفيد كييفه. لكن غرايدر لا تعتبر نفسها منافِسة: “سابقاً ما كان أحد غيرنا يعمل على هذا الموضوع، لذلك تسنت لنا فرصة القيام بالتجارب الضرورية وتفادي الاستعجال. أما اليوم، فكثر عدد العاملين في هذا المجال، وصرنا نشعر بضرورة أن نكون الأوائل”.
حصدت غرايدر عدداً من الجوائز. فقبل سنوات عدة، نالت هي وبلاكبورن وسوستاك جائزة «ألبرت لاسكر للأبحاث الطبية الأساسية» (خطوة تمهيدية للفوز بنوبل). وكما أن عالم المنزل يتداخل أحياناً مع عالم العمل، كذلك يطغى عالم العمل على عالم المنزل.
قبل أسبوعين حين استيقظت غرايدر كالمعتاد قبل الخامسة صباحاً، وفيما كانت ترتب الغسيل، رن جرس الهاتف. تخبر غرايدر: “أرسلت بريداً إلكترونياً كتبت فيه: لا يمكنني حضور صف الرياضة... فزت بجائزة نوبل”. بعد بضعة أيام، عندما سمعت أن الرئيس أوباما فاز بنوبل للسلام، فكرت: لا شك في أنه لم يكن يرتب الغسيل”.

أرسلت بواسطة Q8TYA, February 18, 2010
| < السابق | التالي > |
|---|






